ابن الجوزي
118
صيد الخاطر
الفهم والعقل ، صوابا ، فوقع على المطلوب . فينبغي أن يوجه الشكر إلى من بعث له في ظلام الطبع القبس . ومن هذا الفن حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار ، فانحطت عليهم الصخرة فسدت باب الغار ، فقالوا : تعالوا نتوسل بصالح أعمالنا ، فقال كل منهم : فعلت كذا وكذا ، وهؤلاء إن كانوا لاحظوا نعمة الواهب للعصمة عن الخطأ فتوسلوا بانعامه عليهم الذي أوجب تخصيصهم بتلك النعمة عن أبناء جنسهم ، فبه توسلوا اليه ، وان كانوا لاحظوا أفعالهم فلمحوا جزاءها ظنا منهم أنهم هم الذين فعلوا فهم أهل غيبة لا حضور ، ويكون جواب مسألتهم لقطع مننهم الدائمة . ومثل هذا رؤية المتقي تقواه حتى أنه يرى أنه أفضل من كثير من الخلق ، وربما احتقر أهل المعاصي وشمخ عليهم ، وهذه غفلة عن طريق السلوك ، ربما أخرجت ، ولا أقول لك خالط الفساق احتقارا لنفسك ، بل اغضب عليهم في الباطن وأعرض عنهم في الظاهر وتلمح جريان الأقدار عليهم في الباطن فأكثرهم لا يعرف من عصى ، وجمهورهم لا يقصد العصيان ، بل يريد موافقة هواه ، وعزيز عليه أن يعصي ، وفيهم من غلب عليه تلمح العفو والحلم فاحتقر ما يأتي لقوة يقينه بالعفو ، وهذه كلها ليست بأعذار لهم ، ولكن تلمحه أنت يا صاحب التقوى ، واعلم أن الحجة عليك أوفى من الحجة عليهم ، لأنك تعرف من تعصي ، وتعلم ما تأتي ، بل انظر إلى تقليب القلوب بين إصبعين فربما دارت الدائرة فصرت المنقطع ، ووصل المقطوع ، فالعجب ممن يدل بخير عمله ، وينسى من أنعم ووفق . 71 - الرد على المبتدعة والمشبهة اعلم أن شرعنا مضبوط الأصول ، محروس القواعد ، لا خلل فيه ولا دخل ، وكذلك كل الشرائع ، إنما الآفة من المبتدعين في الدين أو الجهال ، مثل ما أثر عن النصارى حين رأوا إحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام ، فتأملوا الفعل الخارق للعادة الذي لا يصلح للبشر ، فنسبوا الفاعل إلى الإلهية ، ولو تأملوا ذاته لعلموا أنها مركبة على النقائص والحاجات ، وهذا القدر يكفي في عدم صلاح إلهيته ، فيعلم حينئذ أن ما جرى على يديه فعل غيره ، وقد يؤثر ذلك في الفروع ، مثل ما روي أنه فرض على النصارى صوم شهر فزادوا عشرين يوما ، ثم جعلوه في فصل من السنة بآرائهم . ومن هذا الجنس تخبيط اليهود في الأصول والفروع ، وقد